Untitled 1

 

2018/1/22 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :8/9/2007 11:14 AM

الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن

 

سعد الدين إبراهيم

وصلت العاصمة الأمريكية منذ أيام، وغادرتها يوم (٤/٩) للقاء مع الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، في مدينة أطلانطا، أعود بعده إلي الوطن العربي قبل حلول شهر رمضان الكريم، أي أنني لم آت إلي أمريكا بقصد الاستقرار ولو إلي حين، كما ذهبت بعض الصحف الحكومية والمباحثية، وليس لأن ذلك عيب أو تهمة، حيث من حق أي إنسان السعي في أرض الله الواسعة، ولكن لتصحيح ادعاءات غير صحيحة.

وكنت قد كتبت مقال «قهر في مصر بلا حدود»، الذي نشرته واشنطن بوست ٢١/٨ وأنا في رومانيا، التي قضيت فيها معظم الصيف بعد مؤتمر براغ ٥/٧/٢٠٠٧، وفي رومانيا التحق بي عدد من الشباب العربي من مصر والأردن وتونس والمغرب، للتعرف علي تجارب شرق أوروبا في الانتقال من الحكم الشمولي إلي الديمقراطية، وهو ما سأكتب عنه مستقبلاً.

أي أنني لم أكتب مقال واشنطن بوست من أمريكا أو واشنطن، كما ذهبت إلي ذلك نفس الصحف الحكومية والمباحثية. وليس في كتابة أي مقال أو كتاب من أي مكان غضاضة، حيث إن العبرة بما ينطوي عليه ما يكتبه الكاتب من أفكار ومضمون ووجهات نظر. وفي عصر انتقال المعلومات والأنباء بالإنترنت، لم تعد الأمكنة والمسافات ذات شأن كبير في تحديد وجهات النظر، من ذلك أن حديثي عن «القهر في مصر بلا حدود» كُتب من وحي تجربتي الشخصية، وتجربة آخرين مع النظام خلال ربع قرن.

ومصر شيء والنظام شيء آخر، ونقدي لآل مبارك هو نقد لنظام حكم أعتبره أنا - أي من وجهة نظري - مستبداً وفاسداً. وليس في ذلك نقد أو هجوم أو تنكر لوطني مصر، وفي ذلك لا أعتبر مصر والنظام شيئاً واحداً، كما توحي الصحف الحكومية.

ومن المنطلق نفسه أكتب هذه المرة، ومن العاصمة الأمريكية واشنطن، لأنقد الرئيس الأمريكي بوش، كما نقده آخرون من أهل بلده وغيرهم، دون أن يتهم أحد بالخيانة أو التطاول، فأمريكا أيضاً شيء والرئيس بوش شيء آخر.

لقد نقلت الواشنطن بوست، والنيويورك تايمز عن الرئيس بوش تصريحه في مؤتمر براغ عن الأمن والديمقراطية (٥/٦/٢٠٠٧)، قوله أنه أيضا «منشق في واشنطن»، حيث إن بقية المؤسسات في بلده تخالفه ولا تدعم سياساته، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، والتي يفضل العاملون فيها الاستقرار، حتي مع أنظمة مستبدة مثل نظامنا الحالي، علي الديمقراطية التي تنطوي علي تغيير قد يكون غير محمود العواقب.

طبعاً حينما قال جورج بوش هذا الكلام قبل ثلاثة أشهر فإنه كان يتحدث إلي مؤتمر يضم حوالي مائة من المنشقين السياسيين السابقين من شرق ووسط وجنوب أوروبا (مثل التشيكي فكلاف هافل، والإسباني خوزيه أزنار، والسوفيتي السابق ناثان شرانسكي) والمنشقين السياسيين اللاحقين من الصين وأمريكا اللاتينية، والعالم العربي.

 وكان وصف جورج بوش نفسه بالمنشق أيضاً، في جزء منه علي سبيل الدعابة، وفي جزء منه علي سبيل التواصل مع المشاركين، بمعني «أنني معكم في نفس القارب»، وفي جزء منه لتفسير أو تبرير ما أصاب سياسته المعلنة قبل ثلاث سنوات في دعم الديمقراطية من تعثر في الشرق الأوسط، بسبب تورطه في العراق من ناحية وخوفه أن تؤدي الديمقراطية إلي وصول إسلاميين متشددين إلي السلطة، مثلما حدث مع حماس في فلسطين من ناحية أخري، أو علي الأقل هذا ما يردده له النظام.

ولكن الإعلام الأمريكي - وفي مقدمته صحيفتا الواشنطن بوست والنيويورك تايمز - لم يترك التصريح «الدعابة»، الذي بدر من جورج بوش، يمر بهدوء وسلام، فقد عاد إليه مراراً خلال الشهور الثلاثة الماضية، كان آخرها في التايمز والهيرالدتربيون، يومي ٢٠ و٢/٨/٢٠٠٧، ثم في الواشنطن بوست، يوم الاثنين ٣/٩/٢٠٠٧. فبعنوان «رئيس منشق» أمسكت الجريدة بتلابيب جورج بوش، متحدية إياه في عنوان جانبي في نفس افتتاحيتها الرئيسية: «إذا كان الرئيس بوش يعني تضامنه مع المنشقين حقاً، فعليه أن يتحرك في حالة سعد الدين إبراهيم».

ثم استعرضت الصحيفة تفاصيل الحملة الإعلامية والملاحقات القانونية ضدي، كما نقلها لهم مندوبهم في القاهرة، وقالت الافتتاحية حرفياً، موجهة كلامها للرئيس الأمريكي: «نعم إنك أطلقت تصريحاً مجازياً وصفت فيه نفسك بالمنشق ولكنك عدت آمناً سالماً إلي البيت الأبيض، في وطنك بالولايات المتحدة، بينما غيرك من المنشقين الحقيقيين، ومنهم سعد الدين إبراهيم لم يستطيعوا العودة إلي أوطانهم، مخافة التهلكة».

واستعرضت الصحيفة السجل المتذبذب لإدارة الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس تجاه نشطاء الديمقراطية، ومنهم أيمن نور، فبينما أخذت تلك الإدارة موقفاً مبدئياً حاسماً في البداية - تجلي في إلغاء كوندوليزا رايس أول زيارة لها إلي مصر كوزيرة خارجية احتجاجاً علي اعتقال أيمن نور، بتهم تبدو ملفقة، وهو ما أدي للإفراج عنه في حينه - بردت بعد ذلك، وهو البرود الذي شجع النظام مبارك علي معاودة التنكيل بأيمن نور، ووضعه وراء القضبان من جديد، رغم حالته الصحية المتدهورة، واكتفت إدارة بوش بتصريحات الاحتجاج اللفظية، التي لا تؤثر علي الأنظمة المستبدة كثيراً، فالذي يؤثر في هذه الأخيرة هو وسائل الضغط المتاحة لأمريكا، والتي يفهمها ويستجيب لها أمثال مبارك من الحكام المستبدين.

واختارت افتتاحية الواشنطن بوست المساعدات العسكرية نموذجاً. فمن ناحية هناك قرار وافق عليه مجلس النواب بتعليق مائتي مليون دولار إلي أن ينفذ النظام وعوده، التي سبق أن التزم بها أثناء حملته الانتخابية للرئاسة عام ٢٠٠٥، باستقلال القضاء واحترام الشرطة لحقوق الإنسان، والإصلاح السياسي عموماً. وهو بالمناسبة ما لا توافق عليه وزارة الخارجية التي لا تريد تقييد حريتها بمشروطيات الكونجرس.

ولذلك تحاول جاهدة إسقاط قرار مجلس النواب أو تعديله في مجلس الشيوخ، وهو ما تحذر منه الواشنطن بوست، إلي أن يستجيب النظام، لا لشروط تبدو لأول وهلة، كما لو كانت أمريكية، بينما هي في واقع الأمر وفاء بوعود قطعها النظام علي نفسه، وحنث ببعضها ويحاول الالتفاف علي بعضها الآخر.

أما التنويه الثاني في نفس الافتتاحية لإظهار ازدواجية الخارجية الأمريكية، سواء بالمخالفة أو الالتفاف علي مقاصد الكونجرس وادعاءات بوش حول الديمقراطية، فهو ما وعدت به كوندوليزا رايس، منح مصر مساعدات عسكرية مقدارها ١٣ مليار دولار، خلال السنوات العشر القادمة، أي بنفس المعدل الحالي وهو ١,٣ مليار دولار سنوياً، وطبقاً للنظام السياسي الأمريكي، فإن من حق الإدارة أن تبادر، ولكن الكونجرس (بمجلسي النواب والشيوخ) لابد أن يعتمد أو يعترض، فهو في النهاية الذي يتحكم في تخصيص الاعتمادات اللازمة لتنفيذ أي سياسة أو قرار يبادر به الرئيس الأمريكي أو أي من وزرائه، وهو ما تذكرنا به افتتاحية الواشنطن بوست، موحية باستمرار القهر والاستبداد في مصر، مع أنه مسؤولية النظام في المقام الأول، إلا أن أمريكا الرسمية تصبح شريكاً صامتاً فيه، إذا استمرت في دعمه.

لقد استوقف انتباهي هذا الإلحاح علي الجزء الآخر من المساعدات الأمريكية بواسطة الكونجرس ووسائل الإعلام. وحينما سألت من أعرفهم من هيئة تحرير الواشنطن بوست، قيل لي إن مراسليهم في القاهرة أصبحوا مقتنعين بأن النظام لا يعبأ بالجزء المدني من المساعدات، حتي لو تضور الشعب المصري جوعاً.

واسترعي انتباهي أيضاً التأثير الهائل لوسائل الإعلام الأمريكية المرئية والمقروءة، ليس فقط علي الرأي العام في الداخل والخارج ولكن أيضاً علي الكونجرس (السلطة التشريعية) وعلي البيت الأبيض والإدارة (السلطة التنفيذية).

ولا تفسير لهذا التأثير الهائل إلا أنها وسائل إعلام حرة، وقد لاحظ ذلك أحد المصريين الأمريكيين المخضرمين، الذي لقيته في أحد تجمعات المصريين في العاصمة الأمريكية منذ يومين، وكان عائداً لتوه من إجازة صيفية قضاها في مصر، قال الرجل إن ما يقرب من مائة افتتاحية في الصحف المصرية صدرت، رداً علي مقال واحد في الواشنطن بوست، ولن يكون لها وزن في تغيير أي شيء، لأنها صدرت من «عبيد» لإرضاء سيدهم، بينما افتتاحية البوست صدرت عن أحرار يحترمون مهنتهم وضمائرهم والرأي العام الأمريكي، لذلك فمفعول مقال واحد في واشنطن هنا أقوي من مفعول ألف مقال هناك، في مصر المحروسة.

والله أعلم

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.