 |
 |
تاريخ النشر :17/9/2007 9:05 AM
|
|
|
الرواية والدراما... وثمن الخطايا
|
|
|
عبدالله بن بجاد العتيبي
|
"رمضان فاجأنا هذه السنة"، هذه المقولة العجيبة مقولةٌ تنتشر كثيراً بين منتجي الأعمال الدرامية ويتمّ تناقلها بلهجاتٍ مختلفةٍ، ويسخر فيها المنتجون من أنفسهم ومن زملائهم، وذلك بسبب أنّ كثيراً منهم يتأخرون في إنجاز أعمالهم الدرامية حتى يقترب رمضان فيعلنون حالة الطوارئ لتنفيذ التزاماتهم أمام القنوات أو لتسويقها على تلك القنوات.
"لا ندري ماذا نشاهد"، وهذه مقولةٌ أخرى يردّدها كثيرٌ من المشاهدين في رمضان، ذلك أنّ ثمّة زحاماً درامياً هائلاً في رمضان، فكثيرٌ من الأعمال المتميّزة، تعرض في وقتٍ واحدٍ على قنواتٍ مختلفةٍ، ولا يدري المشاهد أيّ شيءٍ يدلّه على ما يميّز عملاً عن غيره ليتابع هذا ويترك ذاك، غير أنّ للمشاهدين طرقاً مختلفة في حلّ هذا الإشكال، وكم يتعب الريموت كونترول بين الأيادي اللاهثة خلف الجديد والممتع والمتميّز.
ما تؤكده المقولتان السابقتان هو أن رمضان قد أصبح ومنذ سنواتٍ طويلةٍ متخماً بالأعمال الدرامية، وقد وصل الأمر في السنوات الأخيرة، ومع تفشي وتناسل القنوات الفضائية إلى ما يشبه الوباء الدرامي، وأحسب أنّ هذا الوضع واحدٌ من أسباب تداعي وفشل الدراما العربية في الوصول للعالميّة، ذلك أنّ الدراما ينبغي لها أن تستمر طيلة العام أو على الأقل أن تكون لها مواسم متعددة لا موسمٌ واحدٌ محصورٌ ومضغوطٌ في شهرٍ واحدٍ فحسب.
إنّ صناعة الدراما والسينما صناعةٌ عالمية بكلّ المقاييس، وقد أصبحت نموذجاً - ضمن نماذج كثيرةٍ ومتعددة- تؤكّد جميعها أننا نعيش بحقٍ عالماً تسيطر عليه "العولمة" بكلّ أبعادها وتجلّياتها، حيث بدأت تتلاشى حدود الزمان والمكان، وتتداخل معطيات التاريخ والجغرافيا في ظاهرة غير مسبوقةٍ في التاريخ البشري.
نعلم جميعاً أنه بحكم التقدّم الحضاري الغربي في كافّة المجالات، فإن الدّراما الغربية في تجلّياتها السينمائية أو التلفزيونية، تعد أكثر إتقاناً وتقدماً وبالتالي رواجاً من غيرها من أنواع الدراما المصنوعة خارج الغرب، سواء أكانت هذه الدراما هندية أم صينية أم يابانية أم تركيّة، أما الدراما العربية فأحسب أنها خارج المنافسة حتى الآن، وأشكّ أن أمةً لديها نصف مقدرة العرب على صناعة الدراما، كانت ستنجح في "الفشل" و"التخلف الدرامي" كما فشلنا وبجدارةٍ لا نحسد عليها!
الدراما صناعة غربيةٌ في الأساس، والرواية بشكلها الحديث كذلك، فالرواية فنٌ أدبيٌ خرج من الغرب، وله في التراث العربي نماذج غير متبلورةٍ وغير ناضجة، يذكر منها على سبيل المثال لا الحصر "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة"، و"حيّ بن يقظان" ونحوها مع الاختلاف حول أصل بعض هذه الكتب وأنها مترجمة عن حضاراتٍ غير الحضارة العربية وتلك قصّة أخرى.
إن المقارنة بين الدراما والرواية هي مقارنة ذات أبعادٍ متعددةٍ، فمن حيث الربح نجد أنّ الدراما –في الغالب- تكون أكثر ربحيّةً من الرواية والكفّة تميل لترجيح الدراما على الرواية لأن الشريحة التي تخاطبها الدراما أوسع كثيراً من الشريحة التي تخاطبها الرواية، فالدراما تمتلك عوامل متعددة لجذب المتابعين منها الكلمة والصورة والصوت والضوء وغيرها كثير مما لا تمتلك الرواية مثله، وعموماً فالمشاهدون دائماً أكثر من القرّاء، أما من حيث الاستمتاع، فهذا أمرٌ يختلف من مجتمعٍ لآخر ومن متلقٍ لغيره.
كانت هذه مقارنة باعتبار الربحيّة والاستمتاع، أما المقارنة باعتبار المساحات المتاحة للتعبير عن المراد، فإن الرواية تمنح مساحة أكبر للتعبير عن المعاني المحسوسة والمتخيّلة والمكبوتة بكلّ أطيافها، وعن الأفكار بكلّ تداخلاتها، وذلك ما لا تستطيع الدراما منافستها فيه، هذا مع الإقرار بأن الدراما تمتلك الصورة والصوت والإضاءة وغيرها من المؤثرات التي تميّزها عن الرواية كما تقدّم، غير أنّني أحسب أنّ خيال الرواية ينتصر في الغالب على واقع الدراما، وأستحضر هنا كلمة للمخرج العالمي "ستيفن سبيلبيرغ" يقول فيها إن الدراما والسينما لن تبلغ ذروتها حتى تستطيع تجاوز خيال المتلقّي!، وأحسب أنّ دون خيال المتلقّي خرط القتاد كما كانت العرب تعبّر عن المستحيل.
ثمّة قاسمٌ مشتركٌ في العالم العربي تشترك فيه الرواية مع الأعمال الدرامية تلفزيونية كانت أم سينمائية، وذلك العامل هو كثرة الخطوط الحمراء، التي ينبغي على كاتب الرواية أو صانع الدراما أن يتحاشاها، فمقص الرقيب يشبه المقصلة على رأسيهما، وأنياب أطياف متعددة من المجتمع كاشرةٌ أمامهما، هذا فضلاً عن الخطوط الحمراء في السياسة والاقتصاد وغيرها من المجالات الحيوية في أيّ مجتمعٍ.
نعم لقد حاول كثيرون أن يتجاوزوا هذه الخطوط، ولكنّهم دفعوا ضريبة قاسية لهذا التجاوز وأصرّ أكثرهم على مواصلة الطريق إلى نهايته، لأن كثيراً منهم يحملون رسائل يريدون إيصالها للمجتمع، وصاحب الرسالة لا يتخلّى عنها بيسر وسهولة، بل يتعب ويضني نفسه وتفكيره لأجل إيصالها، وقد رأينا الكثير من الروايات التي تلامس هموماً حقيقةً لدى الإنسان العربي وتكشف المستور وتسلّط الأضواء على مناطق معتمةٍ من حراك المجتمع، وشاهدنا عدداً من الأعمال الدرامية التي استطاعت أن تكسر هذه الحواجز وتتجاوز هذه الخطوط وتوصل رسالتها نقيّةً صافيةً للمجتمع، نعم كان في بعض هذه الأعمال شيءٌ من التجاوز، ولكنّ غالبها كان رائعاً ومبدعاً.
غير أن المشهد العام في العالم العربي ليس وردياً بشكلٍ عام، فثمّة منغّصاتٌ تخرج هنا وهناك بين فترةٍ وأخرى، فالروايات الممنوعة تكاد أن تكون أكثر من المفسوحة في عددٍ غير قليلٍ من البلدان العربية، والأعمال الدرامية التي تمنعها الرقابة من العرض كثيرةٌ ومتعددةٌ، ليس آخرها مسلسل "للخطايا ثمن" الذي أوقف عرضه في رمضان هذا العام، رغم أنه مسلسل يناقش مسألة اجتماعية يسلّط عليها ضوء النقد والمعالجة لا الاستهزاء والتهييج، ومع ذلك تمّ إيقافه وإلغاء عرضه، وهو ما لا نرجو أن يتكرّر مع أعمالٍ أخرى في قادم الأيام.
هناك الكثير من الاعتبارات التي نستطيع المقارنة فيها بين الرواية والدراما، فمن ذلك اعتبار الأهميّة واعتبار التأثير على المتلقّي، واعتبار إيصال الرسالة وغيرها من الاعتبارات التي يختلف الحكم فيها من شخصٍ لآخر بحسب المنهج والزاوية التي يختارها كلٌ منهما. |
|
|
كاتب سعودي
البريد الالكتروني:
|
|
|
|
|