Untitled 1

 

2018/4/27 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :22/9/2007 6:12 PM

الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب

 

سعد الدين إبراهيم

تتنافس الأحزاب الثلاثة والثلاثون في كل انتخابات برلمانية ومحلية (البلديات) في ظل سقف يحدده الملك، الذي يعتبر نفسه وتعتبره أغلبية المغاربة "أمير المؤمنين". فملك المغرب هو الوحيد بين ملوك ورؤساء البلدان ذات الأغلبية المسلمة، الذي استبقى ويصر على هذا اللقب. بل ربما كان بالنسبة له أهم من لقب الملك. فبينما في عالمنا الإسلامي وغير الإسلامي، هذه الأيام ملوك عديدون، منهم سبعة على الأقل مسلمين، إلا أن المغرب هو وحده الذي يحتفظ بلقب "أمير المؤمنين".

والملكية في المغرب هي من أعرق الملكيات في العالم، حيث يتجاوز تاريخها ستة قرون. وتعود بجذورها إلى الأسرية العلوية من نسل الرسول محمد (صلعهم). وقد ترادفت مسميات أخرى، مثل "الخليفة" و "السلطان"، وأخيراً "الملك"، ولكن لقب "أمير المؤمنين" كان وما يزال أحد الثوابت المغربية. وربما كان ذلك أحد أسباب صمود هذه المؤسسة، حتى في ظل الاحتلال الفرنسي (1904-1956)، وعصر الثورات العربية (1952-1969) الذي اقتلع ملكيات أخرى ـ في مصر والعراق واليمن وتونس والجزائر. وربما كان ذلك أيضاً هو بغرض تحصين المغرب ضد الغلاة والمتطرفين باسم الإسلام. فالذين حاولوا تحدي الملكية في المغرب باسم الإسلام أو بدعوى تطبيق الشريعة، لم يجدوا سوقاً رائجة لبضاعتهم، وتم عزلهم وتهميشهم سياسياً وثقافياً، وأخرهم حركة العدل والإحسان، التي يتزعمها الشيخ أحمد ياسين.

والذي ربما لا يعرفه أيضاً كثير من قراءنا في المشرق العربي هو أن هناك مصطلحاً أخر يطلقه المغاربة على المؤسسة الملكية وهو "المخزن". ومن ذلك أن من يُراد وصفه أو وصمه بالعمالة أو تملق النظام الحاكم بأنه "مخزني" (مثل شيوعي، أو بعثي، أو ناصري). فما هو أصل هذه التسمية؟

خلال القرون الوسطى الإسلامية (أي بين القرنين الخامس والعاشر الهجري) كانت بلدان المغرب العربي، الممتدة من غرب مصر إلى شواطئ الأطلنطي، تعرف ثلاثة أنماط من المعيشة: الأول، هو البادية، حيث تعيش القبائل الرعوية، دائمة الترحال مع قطعانها من الإبل والأغنام والخيول، بحثاً عن الماء والكلأ.

وكان هذا النمط بأهله وأرضه، يُسمى "بلاد السيبه"، نظراً لسيولته وحركته الدائمة، وصعوبة السيطرة عليه، أو إخضاعه لقوانين أي سلطة مركزية. أما النمط الثاني فهو "الريف"، حيث يعيش الفلاحون، في قرى مستقرة، يزرعون ويحصدون، لحسابهم إذا كانوا يملكون أرضاً، أو لحساب أصحاب هذه الأرض من كبار المُلاك (الأعيان أو الإقطاعيين).

أما النمط المعيشي الثالث فهو "الحاضرة"، أو المدينة، حيث التجار والصُنّاع، وأصحاب الحرف والمهن، وحيث دور العلم، والفن، ودواوين الحكومة أو السلطة. ولأن نمطي المعيشة الثاني والثالث، مستقران، فقد كان يسهل السيطرة عليهما، وإخضاعهما للسلطة المركزية. وكان أهم مظهر لهذه السيطرة، هو جباية الضرائب، نقداً وعيناً. ولأن النقود لم تكن "ورقية" بعد، فقد كانت "معدنية"، من الذهب والفضة. أو كانت "عينية" ـ من الماشية والغلال والمصنوعات والمشغولات.

وكانت حصيلة هذه الجباية تحفظ في "مخازن"، أي بنايات وحظائر. أي أن هذه المخازن، ومفردها مخزن، هي بمثابة وزارة "الخزانة"، أو "المالية" في وقتنا الآن. ولأن الجباية كانت رمزاً للسيطرة والخضوع، فقد أصبح "المخزن" مرادفاً وكناية لمن يخضعون أو يمتثلون لإرادة السلطة المركزية، والتي يرمز لها أمير المؤمنين أو الخليفة، أو السلطان، أو الملك.

وفي الصراعات العديدة على السلطة، خلال القرون الوسطى الإسلامية، كانت جائزة الانتصار، أو أحد شروطه، هو الاستيلاء على هذه المخازن. وحتى الغزاة الطامعين من خارج دار الإسلام، كانوا يدركون ذلك، فيتوجهوا مباشرة من الثغور (الموانئ) التي يبدأون منها إلى الوديان التي توجد فيها هذه المخازن. ومن ذلك كانت أحد أهم المواجهات بين المغاربة والأسبان، وهي "معركة وادي المخازن"، التي أبلى فيها المغاربة بلاء حسناً، ودحروا الغزاة الأسبان.

ورغم أن الوجود المادي لمخازن الدولة، بالمعنى الذي شرحناه أعلاه، قد انتهى أو تضاءل، وأصبح للدولة الحديثة طرقاً وآليات ومظاهر أخرى لبسط سيطرتها، إلا أن المغاربة المعاصرين ما يزالون يستخدمون مصطلح، "المخزن"، للإشارة إلى الدولة، وتحديداً القصر الملكي، أو المؤسسة الملكية المغربية. وهكذا نكون بصدد كيان مُركب للدولة المغربية، حيث يُرمز لرأسها بأمير المؤمنين، والملك، والمخزن. وقد رسّخ ذلك من قوتها وشرعيتها، وبالتالي قدرتها على دحر أو تهميش كل معارضيها حتى الآن.

وكان الملك محمد الخامس، الذي تولى العرش في ثلاثينات القرن الماضي نموذجاً لأفضل ما يمكن أن يقدمه ملك في بلد عربي مسلم، تحت الاحتلال. فرغم أن فرنسا أبقت على أسرته الملكية، مراعاة للتقاليد والمشاعر الشعبية، إلا أن الرجل لم يبتلع الطعم، ولم يهادن سلطة الاحتلال، بل انحاز إلى جانب حركة التحرير الوطني المغربية، والتي كان عمادها حزب الاستقلال، وزعيمه علال الفاسي. وهو ما أدى بفرنسا إلى عزل محمد الخامس، وتنصيب بدلاً منه شخصية أخرى موالية لفرنسا، وإن كان من نفس الأسرة المالكة.

وكما أدى نفي سعد زغلول ورفاقه إلى ثورة شعبية عارمة في مصر عام 1919، فإن عزل محمد الخامس أشعل انتفاضة شعبية مغربية مماثلة، في أوائل خمسينات القرن الماضي. وهو ما أجبر سلطات الاحتلال إلى التراجع وإعادة محمد الخامس ملكاً للمغرب.

وقد أضفى ذلك على العاهل المغربي صفة إضافية، وهي راعي الحركة الوطنية المغربية في مواجهة الاستعمار الفرنسي. وأجبرت فرنسا في النهاية على التسليم باستقلال المغرب في منتصف خمسينيات القرن الماضي.

واستمر محمد الخامس، ملكاً وزعيماً وطنياً، وأميراً للمؤمنين، وتضاعفت شعبيته مغربياً وعربياً وإفريقياً. وبدأ يمد جسور التعاون مع مصر الثورية الناصرية، ومع حركات التحرير الإفريقية الأخرى، وفي مقدمتها الثورة الجزائرية الناشئة، حيث فتح لمقاتليها حدود بلاده، وسمح بتأسيس معسكرات للتدريب والإيواء، وهو ما أثار عليه حنق فرنسا، فشنت قواتها في الجزائر سلسلة من الغارات الحدودية، كما أنها اختطفت طائرة مغربية كانت تحمل سبعة من قيادات الثورة الجزائرية في طريقهم إلى مقر حكومتهم المؤقتة في القاهرة. وجاء محمد الخامس إلى مصر في زيارة تاريخية، شارك فيها عام 1960 في تدشين مشروع السد العالي.

ومن مآثر محمد الخامس، حرصه بعد استقلال بلاده على أن يؤسس لملكية دستورية. ولكن بوفاته بداية ستينات القرن الماضي وتولي ابنه الحسن الثاني، تعثر مشروع الملكية الدستورية لما يقرب من ربع قرن. فقد اختار الحسن الثاني أسلوباً تدخلياً مباشراً في شئون الحكم والسلطة التنفيذية، وهو ما أثار عليه ثائرة عديد من القوى الشعبية.

ورد هو بإجراءات قمعية طالت الآلاف. ففر الكثيرين إلى الخارج وعاشوا في المنفى حوالي ثلاثة عقود، حدثت خلالها محاولات انقلابية دموية، وانتفاضات شعبية. كما قامت المخابرات المغربية بملاحقة وتصفية أقطاب المعارضة في الداخل والخارج، وكان ضمنهم المناضل المغربي الشهير المهدي بن بركة، الذي اغتيل في فرنسا في نهاية الستينات.

لقد حاول الحسن الثاني. إحياء تقاليد الدولة المخزنية، حيث السلطة المطلقة. فكان رد الفعل هو نمو "بلاد السيبه"، لا في البادية، كما كان الحال قبل قرون، ولكن في ضواحي المدن المليونية المغربية (الدار البيضاء، والرباط، وفاس، وطنجة، ومراكش، ومكناس). وفقط في سنواته الخمس الأخيرة، قبل أن يرحل عن العالم، حاول الحسن الثاني مصالحة القوى السياسية المغربية، ودعوة قياداتها بالخارج إلى العودة للوطن.

وحينما اعتلى ابنه محمد السادس عرش المغرب، حرص أن يكون جده محمد الخامس، وليس والده الحسن الثاني، هو القدوة والمثال الذي يحتذى. وقد أكسبه ذلك شعبية مشهودة، بل وحصل حزبان مواليان للقصر تماماً على ما يربو على ثمانين مقعداً في الانتخابات الأخيرة (7/9/2007) وجاءا في المركزين الثالث والرابع. أي أن "المخزن" أعاد تأكيد نفسه بأسلوب أكثر سلاسة وقبولاً. فهنيئاً للمغرب بديمقراطيته المتنامية، وبملكيته الدستورية المتجددة.

 
رئيس مركز بن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

1 - شكر ..وتصويب
مغربي | 21/12/2008 ,11:25 PM
أشكر الأستاذ سعد الدين ابراهيم علي مجهوده الطيب في التعريف بجزء من تاريخ المغرب بشكل علمي رصين , ينم عن بحث دقيق ومتوازن .. مع الاشارة الى أن الزعيم الروحي العدل والاحسان بالمغرب هو الشيخ عبد السلام ياسين , وليس الشيح أحمد ياسين .

2 - المنفى ومحمد الخامس
salma | 24/11/2008 ,12:04 AM
اعجبني كثيرا

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.