Untitled 1

 

2018/1/17 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :15/10/2007 12:44 AM

الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الأولى

 

رائد قاسم

ما هي الليبرالية؟
لا يوجد تعريف محدد متفق عليه لليبرالية ، إلا إنها مشتقة من لفظ  "ليبراليس" وتعني الشخص الكريم ، النبيل، الحر، والكلمة الأخيرة هي التي أصبحت معنى ارتكزت عليه دلالة اللفظ، وحتى القرن الثامن عشر الميلادي لم يكن مصطلح ومعنى وفكر الليبرالية شائعا، وإنما كان مصطلح "ليبرال" هو الشائع ويقصد به الشخص المتحرر فكريا، وفي القرن التاسع عشر ظهرت الليبرالية كمذهب فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي في أوربا.

عرفت الليبرالية على إنها" المذهب المدافع عن الحريات" جاء في الموسوعة العربية العالمية " تعتبر الليبرالية مصطلحاً غامضاً لأن معناها وتأكيداتها تبدَّلت بصورة ملحوظة بمرور السنين" إلا أن القاسم المشترك ما بين المذاهب الليبرالية – إن صح التعبير- إن الحرية هي الباعث والهدف ،  الغاية والمرمى، البداية والنهاية، الأولى والمنتهى، الأصل والنتيجة،  الحرية هي الغاية التي تهدف إلى رقي الإنسان وسيادته وتقدمه .

ويمكن تعريف الليبرالية من خلال حركتها التاريخية ومنظومتها الفكرية والفكرية والسياسية على إنها "حركة وعي إنساني تهدف إلى التحرر من قيود الاستبداد" الديني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، التي تعوق النهوض والتقدم والتطور بمختلف جوانبه ، وليست في الأصل حركة ضد دين أو شريحة أو طبقة أو فئة  أو تيار أو نظام حكم سياسي أو ديني، وإنما هي منظومة تهدف في ماهيتها إلى بلورة واقع متجانس، يمكن من خلاله إزالة كافة معوقات التنمية والتطور والانطلاق على الصعيد الفردي والجماعي، دون المساس بمكونات المجتمع وقيمه الارتكازية كالدين والقومية والمعطيات التاريخية والحضارية.

فالليبرالية حركة إصلاح ديني وحقوقي وسياسي واجتماعي ، فهي على الصعيد الديني تدعم التجديد والتحرر من السلطة الكهنوتية والاستبداد باسم الدين، وتدعو إلى تصحيح القيم الدينية والعودة إلى النص القائد وإنشاء نظام معرفي يهدف إلى مراجعة التراث الديني، والتعامل مع النصوص الثابتة والمعطيات التاريخية من خلال قيم العصر وطبيعة المرحلة التي يمر بها التنظيم الاجتماعي، وهي على الصعيد السياسي تدعو إلى الملكية الدستورية والجمهوريات الشعبية من خلال نمط حكم ديمقراطية تعاقبية على السلطة، وهي على الصعيد الاجتماعي تدعو إلى مراجعة دائمة ومستمرة للنظم الاجتماعية وتجديدها وإصلاحها وعدم الوقوف في وجه تطورها وارتقائها الطبيعي ، والليبرالية على الصعيد الاقتصادي تدعو إلى الحرية الاقتصادية واحترام الملكية الفردية وحرية تكوين الثروات ورؤؤس الأموال، مع ضرورة دعم الطبقات محدودة الدخل، من خلال فرض الضرائب على حركة رؤوس الأموال والأرباح، لأحداث توازن حقيقي ما بين الطبقات الاقتصادية والشرائح الاجتماعية .

إن الليبرالية ليست ضد الدين بل ضد الاستبداد الديني، وليست ضد النظم الملكية والجمهورية، ولكنها تدعوا إلى الملكيات الدستورية وأنظمة الحكم الديمقراطية الشعبية الجماهيرية.

إن الليبرالية إذن ليست حركة مناوئة لأي مكون من مكونات المجتمع وإنما هي حركة وعي تهدف إلى محاربة الاستبداد والتمييز والديكتاتورية بجميع أشكالها وأصنافها وكافة معوقات النهضة والمدنية، وتهدف إلى الارتقاء بالنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، دون إقصاء قيم المجتمع وثوابته ، لان الليبرالية تنطلق منها وتعود إليها مرة أخرى،لأنها الأرضية التي تقوم عليها قواعدها ومنشئاتها المادية والمعنوية، إن الليبرالية تنسجم مع القواعد الارتكازاية للحياة الإنسانية في كافة الأمم والشعوب بمرونة عالية منقطعة النظير، مما جعلها حركة الوعي الأولى في عالم اليوم دون منازع . 

الفرق بين الليبرالية والعلمانية
هناك الكثير من الفروقات بين الليبرالية والعلمانية، من أهمها أن بعض المذاهب العلمانية - إن لم يكن جميعها-  تدعو إلى عزل الدين عن شئون الحياة  تماما، بل وتذهب ابعد من ذلك، عندما تحظر كافة أو معظم مظاهر الدين، كارتداء الحجاب وممارسة الشعائر الدينية، بينما تدعو الليبرالية إلى حرية الشعائر والممارسات الدينية، والإخاء والألفة ما بين أتباع الأديان والمذاهب، واعتبار الدين احد مصادر التشريع، واحترام القيم والنظم الدينية واتخاذها إحدى مدارات منظومة الحياة الفردية والجماعية.

خصائص الليبرالية
من أهم خصائص الليبرالية ما يلي:

1- تتحرك الليبرالية من خلال احترام ثوابت المجتمع الدينية والأخلاقية والثقافية، وعبر احترام الإرث التاريخي، مع دعم حركة التجديد والوعي لمصادر النهضة والحركة كالدين والتراث والنظم القانونية والفلسفية حتى يمكن الاستفادة منها في التنمية المستديمة .

2- لا تعترف الليبرالية بمرجعية مقدسة، بحيث تتخذ لنفسها رمز تاريخي أو تقدس احد كتبها أو كتابها، فهي على هذا لا تمتلك مرجعية فلسفية أو ثقافية، لأنها حركة وعي إنساني، خلاصة لحركة التاريخ البشري، تجسيدا لآمال الأمم والشعوب في الوحدة والمحبة ، منظومة إدارة تهدف إلى جمع البشر المختلفين بطبيعتهم وتركيبتهم الذاتية في بوتقة تعددية متجانسة، تمكنهم من العيش بسلام مع بعضهم البعض، دون المساس بقيمهم المتضادة وأديانهم المتشعبة وألوانهم المختلفة ، فالليبرالية إذن حركة وعي تتخذ من القيم الإنسانية ، الأساس والمحور والبداية والنهاية ، وليست مذهبا ضد دين أو مذهب آخر، بل منظومة تهدف إلى جمع الأديان والمذاهب في إطار متعدد.

3- تتخذ الليبرالية من القيم الانساينة محور نشاطها وحركتها الذائبة  كالكرامة والحرية ، وتتحرك من خلالها في كافة المجتمعات، مما أذى إلى تنوع تاريخها وتعدد تجاربها، فكل حركة ليبرالية مختلفة عن الأخرى وفقا لطبيعة المجتمع الذي تعمل في إرجائه .

أهداف الليبرالية
تختلف الليبرالية من مجتمع لأخر، ومن تجربة لأخرى، في نتائجها وآثارها، وبالتالي فان كل حركة ليبرالية تختلف عن الأخرى في الأهداف والمقاصد إلا إنها تتفق في القيم الإنسانية كالعدالة والمساواة والحرية والكرامة ، إن كل دعوة ليبرالية يجب أن تحاسب على أهدافها لا أن تربط بأخرى، وكل ليبرالي مسئول عن فلسفته ونشاطه ، ولا يربط بغيره ،إن الكثير من الدينيين يعتقدون أن الليبرالية هي مذهب ضد الدين والتدين ، إلا أن العكس هو الصحيح ، فمن الممكن أن يكون الليبرالي متدين ، إلا أن المتدين التقليدي ذو النزعة الاقصائية الاستبدادية - وهو التدين الشائع في المجتمعات الإسلامية والعربية- العربية - لا يمكن إن يكون ليبراليا.

إن الليبرالية في جوهرها وذاتها وماهيتها ليست مذهب في مقابل الدين والقيم المعمول بها في المجتمع وإنما هي حركة وعي عميق، تهدف إلى سيادة القيم الإنسانية النبيلة وجعل الاختلافات والخلافات العرقية والاثنية والدينية والمذهبية في قالب واحد يجمعها ويحولها إلى عامل قوة داخل البناء المجتمعي ، إن من أهم أهداف الليبرالية ما يلي :

 1- تحويل الدين إلى منظومة قوانين صالحة للتطبيق

أن الليبرالية تستطيع  ضم الدين الذي يعتبر احد أهم مكونات الأمة وأعمدتها الدستورية والقانونية  والثقافية والروحية، ليتحول من نص نظري متعدد الأوجه ، استبدادي التطبيق، إلى نص تشريعي حر، قابل للإلغاء والتصحيح إلى احد الأوجه المتعددة فهما واستيعابا وتطبيقا، لأنه في إطار النظام الليبرالي يعتبر نص متحرك متفق عليه من قبل أغلبية الأمة عبر ممثليها الشرعيين ، أن الدين في النظام الليبرالي احد أهم مرتكزات الدستور من خلال نصوصه اليقينية، واحد مصادر التشريع الرئيسية في نصوصه  المتعارضة ، ليتحرر الدين من سيطرة رجال الدين والأباطرة، الذين سخروه خدمة لمصالحهم في السلطة والمال والنفوذ عبر مئات السنين.

2- المساواة الإنسانية: أن الليبرالية  تنزع من رجال الدين مركزيتهم ونزعتهم الرهبانية في جميع مستوياتها، وتساوي بين الحاكم والمحكوم ليكون الأخير يؤدي وظيفة خدمية تنفيذية لتسقط منه هالة الإمبراطورية ونزعته الاستعلائية ، وليتحول رجال الدين إلى مجرد شريحة من الشرائح، وفئة من ضمن فئات متداخلة، مهمتها بناء الأمة على مبادئ الحرية والكرامة والمساواة.

3- الديمقراطية الشعبية: وهي من ثمار الليبرالية واهم نتائجها ، فالديمقراطية ذلك القالب المنظم لحركة القوى الشعبية والاجتماعية ، والدولة المؤسسة التي يناط بها تطبيق رؤى القوى التي حصلت على ثقة الشعب في تولى مؤسسة الدولة ، والدولة مؤسسة تهدف في نهاية الأمر إلى المحافظة  على حرية الشعب وكرامته ومنظمة لحقوقه وواجباته  .

4- سيادة ثقافة النسبية الموضوعية: تقف الليبرالية  ضد النزعة الدوغمائية التي تفترض الحقيقة المطلقة والصواب المطلق ، إنها تعتقد بان كل المعارف أو معظمها نسبي، وان لا احد يمتلك الحقيقة المطلقة كما يزعم بذلك العديد من رجال الدين، سواء من المسلمين أو غيرهم ، إن الدوغمائية كانت السبب الرئيسي في شيوع التعصب ومن بعده الإرهاب، لقد كانت هذه النزعة سببا من أسباب القمع وإقصاء الآخر وتخدير الأمم وتشتيتها منذ قديم الزمان ، لذلك تدعو الليبرالية إلى التفكير الدائم والبحث المستمر عن الحقيقة ، لان في هذا البحث استمرارية للتطور والارتقاء، يقول النبي الكريم(ص): ما يزال العالم عالما ما طلب العلم فان ظن انه علم فقد جهل".

5- سيادة ثقافة التاريخية السياقية : ويقصد بها عدم إخضاع الحاضر للماضي أو الماضي للحاضر، فلكل زمن دولة ورجال وأعلام وظروف  خاضعة للزمان والمكان ، فليس من المنطقي محاكاة الأولين في كل ما تركوه، وليس من العقلاني محاكمتهم  بنظم عصرنا الحاضر ومناهجنا العقلية النقدية الفلسفية المعاصرة.

إن الليبرالية تدعو إلى عدم البناء على فقه ومعتقدات الأولين في الجانب العلمي لان القرن الحادي والعشرين يمتلك مقومات ومعطيات مغايرة، وإنما تستنطق منها القيم الغير خاضعة للزمان والمكان كالعدالة والحرية والمساواة ، فأئمة أهل البيت والصحابة كفقهاء وأئمة دينيين ودنيويين يقولون بالعدالة والمساواة ، وهي قيم متحركة ومبادئ تحيى بحياة الإنسان، ولكن لا يجب أن يبتنى من العقيدة في العصمة مثلا تنظير عملي لان هذه العقيدة مقتصرة على فئة محددة قليلة وإنها لعقيدة غيبية، إذا ما ربطت  بعالم الشهادة والحضور الجسدي الحسي فسينتج عنها إشكاليات تعارضية مع أسس وقواعد وأركان الحياة المعاصرة بكافة مناهلها، إضافة إلى النظم العلمية التي يتحرك من خلالها إنسان القرن الجديد ، ولعل هذا واضحا في المجتمعات الدينية الشيعية ، فرجال الدين نصبوا من أنفسهم بناء عليها نواب عن الإمام المعصوم، ورجال الكنيسة نواب عن الله والمسيح وكانوا يمنحون صكوك الغفران نيابة عن الخالق ،وهكذا يشيع الاستبداد وتنعدم آفاق المستقبل لتصبح وتمسي الشعوب في  قبضة  فئة قليلة حاكمة تسخره لمصالحها ورغباتها وتستحوذ على كل مقدرات الأمة وثرواتها.

6- سيادة ثقافة العلمية العقلانية: إن الليبرالية تهدف إلى بناء دولتها من خلال الاعتماد على قوانين العقل والتجربة والسببية والتجربة وتحرير الشعب من الأوهام وسيطرة المتوهمين الذين يوعزون الأمور إلى الغيب والمجهول، إن أوربا المعاصرة ما كانت لتنهض إلا بعد أن أطلقت العنان لقوة العقل الجبارة لتأخذ حيزها في حياة أممها وشعوبها وبهذا وصلت وتمكنت وبنت حضارتها العتيدة، لقد خلصت أوربا مناهج تفكيرها من الأساطير وراهنت على العقل والتجربة والبرهان، فكان لها من العلم حظا عظيم لا يضاهيها فيه احد في عصرنا الراهن، إلا إن  الليبرالية تؤمن بالمراجعة الدورية لكافة أنظمتها وقوانينها وتشريعاتها، لأنها تدرك بان عجلة الحياة غير ثابتة، مما يحول تشريعاتها إلى تشريعات قديمة وقوانين بالية، أصبحت خارج مدار الزمن المتجدد باستمرار، ولم تعد مناسبة لنظام الحياة المعاصرة، فما كان ملائما قبل عشر سنوات أو نصف عقد لم يعد مناسبا في هذا الوقت الحاضر ، ما عدا اليقيني والتا بث من أنظمة الحياة الإنسانية وفي مقدمتها ثوابت الدين ، يقول فولتر وهو احد رواد الفكر الليبرالي المعاصر" لو لم يكن الله موجود لأوجدناه" في إشارة إلى أهمية الدين في حياة الإنسان  .

7- الحرية والعدالة والمساواة : وهي من بديهيات الليبرالية إذ لا فرق في الليبرالية بين الرجل والمرأة، المسلمون والمسيحيون واليهود، فالجميع أمام القانون متساوون، وجميعهم يخضعون لنظام عام وحقوق  وواجبات واحدة، وفضل احد على احد بقدر ما يقدمه للوطن والأمة ، أما الخصوصيات الدينية والعرقية والجنسية فمحفوظة تماما ولكنها لا تتجاوز النظام العام المشترك الذي يساوي بين المواطنين ويعتبرهم سواء ، في نطاق وطني  يتقاسمون من خلاله  العيش المشترك في دولة واحدة تضمهم جميعا.

موجز تاريخ الليبرالية
يعتقد الكثير من المؤرخين إن الليبرالية بدأت في القرن السادس العشر الميلادي ، في ظل الاستبداد الكنسي والإقطاعي والملكي في أوربا ، وظهرت معالمها الدقيقة ومفاصلها الواضحة في القرن التاسع عشر الميلادي وتوجت انتصارها بانهيار حكم الإقطاع وسلطة الكنيسة ، إلا إنها لم تتطور على يد  شخصيات معينة ، فالليبرالية مرة بمراحل متتالية أخرجتها في صورتها الحالية ، ونعتقد أن قيم الليبرالية ومبادئها العامة قيم إنسانية مارستها العديد  الشخصيات التاريخية ، فمبدأ الانتخاب والسلطة الشعبية ظهرت في اليونان ، في قرون ما قبل الميلاد ، وحقوق الإنسان مارسها الفراعنة أيضا بصور مختلفة ، كما مارس المسلمون القليل من  قيم الحرية والديمقراطية ، ولعل سيرة الإمام علي ، تحوي  الكثير منها، وقد أوضحنا ذلك في مقالنا" الإمام علي ليبراليا عبر العصور"

الليبرالية  قدر الشعوب
في عالمنا الإسلامي والعربي، تبرز الليبرالية كحل وحيد ومخرج لا مفر منه من حالة الاحتقان السياسي والطائفي ، والصراعات الدموية ما بين أتباع المذاهب والعقائد المتناقضة ، ينقسم المجتمع الإسلامي، علاوة على طوائفه المختلفة إلى فرق متعددة أيضا داخل الطائفة الواحدة ، فالشيعة مثلا إضافة إلى الأمامية – وهو المذهب الغالب-  هناك الإسماعيلية والزيدية، في داخل المذهب الامامي هناك الأصوليين والإخباريين، هناك العلويين والخوجه والشيخية ، وفي داخل التيار الأصولي هناك أتباع المرجعيات الفقهية والسياسية ، علاوة على ما يضمه المجتمع الإسلامي من أتباع لتيارات غير دينية كالاشتراكية والوطنية والقومية والبعثية وغيرها الكثير .

لقد فشلت كافة أنظمة الحكم الديني، سواء الإسلامية أو المسيحية، في بلورة نظام متجانس، جامع، يمنح الشعوب كافة مقومات النهضة والتحضر، ذاك أنها أنظمة حكم شمولية استبدادية في جوهرها ،ولفقدان الأداة التشريعية للأديان السماوية والأرضية ، سواء في الخصائص التشريعية أو في أدواتها ومصادرها استنباطاتها ونظمها المعرفية وارثها التاريخي القدرة على صياغة منظومة حاكمة جامعة لكافة التناقضات والاختلافات والخلافات الدينية والقومية والعرقية والمذهبية والطائفية والفكرية في الحياة الإنسانية ، لذلك فان الليبرالية هي الإبداع البشري والفكر الحضاري الناهض الذي توصل إليه العقل الإنساني بعد قطعه مسافات واسعة من التطور والنهضة والنضج ، وبعد تعاقب العديد من الثقافات والحضارات والأديان ومرور البشرية بمراحل عديدة من التطور والارتقاء.

إن الليبرالية هي النظام الجامع لكافة أطياف المجتمع الإنساني ، فهي منظومة إدارة ، من خلال مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والمدنية ، فهي تحتضن الدين والمتدينين وتقدم لهم فرصة تطبيق آرائهم على ارض الواقع ، أما إذا ما تحول الدين إلى جهاز حكم ، والمتدينون إلى حكام سياسيين أو اجتماعيين، فسيتسم الدين بالجمود والتصلب، غير قابل للحلول الوسطى ، ولبناء حضارة ونهضة حقيقة على أسس دينية، ذات طبيعة مركزية شمولية، لا بد من قمع وإقصاء أتباع الديانات والمذاهب السماوية والأرضية الأخرى، وهذا ما سيجعل المجتمع يخوض غمرة صراعات دائمة ومستمرة، تستنزف طاقاته وقدراته وإمكانياته ، فالدين إذا ما أصبح نظام حكم لا يمكنه احتضان الآخر المخالف لأنه عبارة عن قيم ذات طابع وثوقي مركزي، مرتبطة بنوازع النفس البشرية وقيمها الروحية والوجدانية.

إلا إن الليبرالية كنظام إداري ودستوري ومعرفي، يحتضن الدين بمذاهبه وطوائفه وتياراته، وتجعل من نظام الانتخاب والأكثرية والتطبيق الميداني من خلال التشريعات والقوانين الملحقة بها معيارا للصحة النسبية للنظرية الفقهية أو العقائدية، دون وصمها بالخطأ والصحة المطلقة ، مع إتاحة الفرصة الكاملة والحرية الشاملة لأتباع الأديان الأخرى لممارسة حرياتهم الدينية وأداء شعائرهم وطقوسهم بكل حرية، وفي نفس الوقت تتيح الليبرالية من خلال منظومة الحرية الحاكمة للمجددين الدينيين إشاعة أفكارهم التجديدية في حقول الفقه والعقائد بحرية تامة، مما يسمح بنشوء نظريات عقائدية وفقهية وفكرية وتنموية جديدة استنباطا من  المصادر الدينية ، وتمنح الفرصة من خلال السلطة التشريعية  لتطبيقها، إذا ما حازت النصب القانونية اللازمة، كما وتحترم كرامة الأديان من خلال تطبيق ثوابتها وأحكامها الإلزامية، باختصار الليبرالية تحتضن الدين وتوفر لإتباعه حياة دينية حرة وكريمة، بعيدا عن التهميش والتمييز والاضطهاد باسم الله والسماء. 

إن التجربة الماثلة للعيان، أن الليبرالية استطاعت وبجدارة أن تحتوي الصراع داخل المجتمع الأوربي وتحول حركة التيارات والمذاهب التي يغلب عليها التصادمية والتنازعية باتجاه الأعمار الإنساني والحضاري بمختلف أبعاده.

في بلادنا الإسلامية فان بارقة الأمل الوحيدة تكمن في الليبرالية، واتخاذها منظومة سلطة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية ، دون المساس بالثوابت والقطعيات التي ترتكز عليها روافد النشاط والحركة والبناء في المجتمع ، مما ينتج عنه تجمد الصراعات الدينية والقومية ويتجه المجتمع نحو البناء والنهضة والتقدم، لان الليبرالية ستنهي التمييز المذهبي والعرقي والقومي ، وستحول الدولة إلى مؤسسة حاضنة لكافة التيارات والحركات ، وستحول  السلطة المطلقة إلى سلطة دستورية مقيدة وستطلق للعنان الحريات الفردية والجماعية، وستضع القوانين والأنظمة  التي تحظر الانشقاقات والصراعات بناء على الانتماء الديني أو الطائفي  والتي تحمل في طياتها دعوات الكراهية والعنف والتطرف.

إن تجارب الشعوب الآخر، خاصة في أوربا غنية، بحيث يمكننا القول أن الليبرالية هي النظام الذي اثبت جدارته  في قيادة الشعوب وتنمية مواردها واستغلال طاقتها وقدراتها الإنسانية والطبيعية، وإخراجها من كافة مظاهر الإرهاب والتعصب والدكتاتورية والتخلف التي كان تعيشها ، إن الليبرالية من وجهة نظرنا تركز على ما يلي :

1- تحويل الدولة إلى مؤسسة شعبية متاحة لكافة شرائح وطبقات وفئات الشعب.

2- اعتماد مبدأ الانتخاب وحكم الأغلبية كوسيلة للوصول إلى المناصب القيادية في المجتمع.

3- اعتبار الدين احد  مصادر التشريع في المجتمع .

4- اتخاذ قطعيات الدين وثوابت المجتمع ومفاهيمه العامة المشتركة  ما بين مكوناته الرئيسة مدار جزائيا وحقوقيا وقانونيا .

5- اعتبار الحرية والكرامة والعدالة والمساواة ، من أهم القواعد التي تقوم عليها الليبرالية ، ومن اجل العمل بها لا بد من وضع أنظمة وقوانين وتشريعات متوازنة تأخذ بعين الاعتبار كافة مكونات المجتمع ، بحيث لا تطغى فئة على أخرى  أو شريحة ضد غيرها ، بمعنى أن تقف حرية الفرد أو الجماعة عند خط دستوري وقانوني ومفهوم ذهني متعارف عليه إذا ما تجاوزت حريات الآخرين .

6- سيادة القانون والنظم الدستورية، بحيث يتحول المجتمع إلى مجتمع دستوري تعاقدي تعاقبي، السيادة فيه للقانون والدستور، لا المفاهيم والنظم ذات الطابع الفئوي أو المذهبي، إلا أن تكون في إطار قانوني واضح وملزم.

 

 
كاتب سعودي
البريد الالكتروني:  

 

 

 

إشكالية قوانين مكافحة الإرهاب في العالم العربي
الدين بين الوجدان والبرهان
هل السلطة شي شرير؟
أنا مسلم ولكنني علماني !
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (2)
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (1)
الإباحية الدينية
كل الجهات الأربع قطيف
لا يكفي هذا يا خادم الحرمين !!
الشعائر الدينية بين سلطة الدولة وحق المجتمع (عاشوراء نموذجا)
رجال الدين.. تبا لكم!!
دين الله أم دين الفقهاء؟
الهزيمة الحضارية للفكر الديني
أحلى وقت وأجمل صيف في ربوع بلادي!!!
جمهورية السراب
آهات قاتلة
الانترنت الديني..... قمع الحرف واضطهاد الكلمة
وطني .. آه يا وطني!
آمنت بكم يا رجال الدين!
المتمردة (قصة قصيرة)
أبو ذر الغفاري وعريضة الخمس في القطيف
أيها القرضاوي ما قلت إلا حقا !! .. ولكن
اعتقال في محراب الصلاة
المعمم الشيعي.... ضحية وجلاد
قناة التطبير الفضائية!
الفن وفتاوى الفقهاء (السيد السيستاني نموذجا)
تحية إلى بزبوز ونذير وسلامة ووجيهة والى كل قلم حر في بلادي
الشيعي الجديد
شعوب ولاية الفقيه!
لا حرية في الحرية!
وجيهة الحويدر.. سيدة نساء هذا العصر!
عزيزتي المرأة... أرجو الإجابة!!
معجزة في العوامية !!
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية (2)
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية
رادود حسيني في مجمع السيف !
لا حرية في الحرية !
الثائر (قصة قصيرة)
فتاة القطيف والواقع المأساوي
فتاة القطيف.. عليك تحمل المسئولية !
نعم .. هذا هو الدين!
أسير الحرية
أيها الخطباء .. احترموا عقولنا!
الحمد لله: لقد دفعت الخمس !
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الثانية
القتيلة
زواج الأفاعي (قصة قصيرة)
الإمام علي .. ليبراليا عبر العصور
سلفيون ولكن !

1 - الفرق بيم مشروعية الفكر الديني والفكر العلماني
محمد | 18/6/2008 ,2:57 PM
الفرق بين الفكر العلماني والفكر الديني ان العلماني ينطلق من حرية الإنسان المطلقة ومواجهة كل من شأنه ان يحددها ويقول البعض ان الدينيون يترددون من مبحث الحرية ويقول البعض ايضاان سبب اعتراضنا عليهم هو ان الإنسان غير قادر على انشاء معرفة بل مجرد التفسير ونحن نتساءل من يحدد دائرة الحريات والحقوق والواجبات من حيث اتساعها او ضيقها هل العقل ام الله او نعبر عنه بمعنى اخر الوحي ام العقل أذن نقطة الصراع من له الحق في إنشاء وتحديد الحريات والحقوق والواجبات فان قلنا عقل الإنسان هو الذي ينشأ هذه الأمور معناه ان الإنسان يمكن ان يوسع من دائرة الحريات او الحقوق او والواجبات ويمكن ان يضيقها لذلك نرى ان الفكر العلماني يوسع من هذه الدائرة لتصل الى ان الإنسان له الحق بالتصرف بما يشاء في التوسعة او التضييق سواء في نفسه حيث يسمح او يتغافل او يتساهل حول مسألة الانتحار مثلا باعتبار ان الانتحار حق شخصي فهنا الفكر العلماني يؤسس حكم يوسع من دائرة هذا الحق وكذلك المسألة تنطبق حول حرية المعتقد لذلك يسمح الفكر العلماني بحرية المعتقد حتى لو كان الإنسان يمارس عبادة الأوثان باعتبار العبادة حق شخصي وهكذا يسمح للإنسان بممارسة الحرية الجنسية بمختلف أشكالها لأنها حق شخصي وكذلك بمسألة مساواة الرجل والمرأة وإلغاء مفهوم الذكورة والاتوثه وتأسيس مفهوم النوع الإنساني بدل عنه وهكذا يمكن للفكر العلماني ان يتدخل في كل الجزئيات ويزاحم الحق الإلهي في هذه الدائرة وكذلك في المقابل قد نرى قد تضيق دائرة الحريات من قبل البعض كما في الحكام المستبدين ان التوسعة والتضييق مرفوضة في الإسلام والسبب في رفضنا في إنشاء حكم تأسيسي من قبل العقل البشري فذلك لان الله تعالى هو المنشأ والمبدع والمصور لهذا الكون والإنسان والحيوان والنبات والجماد فلو كانت العلمانية هي التي أنشأت هذا الكون بما فيه جميع الموجودات لقلنا تفضلوا ونحن المطيعون لكم واحكموا وانشاءوا ما تشاءون من حريات وحقوق وواجبات وان تصرف العلماني بهذا القضايا أشبه بالشخص الذي اخترع اختراعا وحصل على شهادة عليها وإذا بشخص أخر أتى وسرق هذا الحق وقال ان هذا الاختراع أنا أتصرف به ما أشاء ولي حق في ذلك ويبقى ذلك الشخص صاحب الحق الأصلي محروما ومسلوبا من هذا الحق وبذلك يكون ذلك الإنسان قد مارس ظلما وعدوانا وطغيانا وتمردا وعصيانا وتغافلا ونسيانا لذلك الحق فالقضية كذلك تنطبق على مسالة الحق الذي يملكه الله تعالى فكل من يمارس هذا الدور الذي يجب ان يقوم به الله تعالى لا غيره فيكون عدوانا وعصيانا وتمردا وطغيانا صريحا من قبل الغير مهما كانت المسميات وهكذا لا يجوز لأي مخلوق بهذا الكون مهما كان ان يتصرف بهذا الحق في التصرف بالحقوق والحريات والواجبات ما يشاء لذلك كانت نقطة الصراع بين الفكر الإلهي والفكر العلماني حول مسألة السيادة فالمسلم يعتقد بان السيادة لله او الوحي أم غيره أي العلماني يعتقد ان السيادة للعقل الا ان الله تعالى لن يسمح لاي مخلوق في هذا الكون حتى الملائكة والجن والإنس ان يتصرف الا بأذنه ومشيئته وإرادته وباعتبار ان أرادة الله هي الحاكمة والمهيمنة على الكون كله لذلك لا مشروعية ولا حرية ولا حق ولا واجب الا من قبل الله ولا يزاحم الله في المسألة احد الا بأذنه لذلك نقطة السماح فقط هو أذن الله لذلك أعطى الله المشروعية والاذن للأنبياء والأئمة والعلماء الذي عبر عنه السيد الصدر بخط الشهادة ولو فرض ان الله كذلك لم يسمح لهذه الفئات الثلاثة كذلك لا يجوز لها ان تتصرف اذن لا مشروعية الا بأذن الله وبذلك نرى السيد الصدر استطاع ان يستنتج نظرية دستورية حول خط الشهادة ودورها في هذه الحياة في كتابه الإسلام يقود الحياة لذلك ان تصرف الإنسان بنفسه من خلال الإقدام على الانتحار لا يسمح له في الإسلام وكذلك الحرية الجنسية في الفكر العلماني لا يسمح لها وفق الفكر الإلهي من خلال توسعة الفكر العلماني للدائرة هذا الحق والحرية وهكذا في كل الجزئيات لا يسمح خصوصا المسائل التي تتعلق بالحريات والحقوق والواجبات والعبادات والمعاملات ولكن هذا لا يعني إلغاء دور العقل البشري نهائيا بل ان الفكر الإلهي قد أمضى لكثير من تصرفات العقلاء كما في باب المعاملات حيث أمضى الله تعالى كثير من العقود التي كانت في زمن الجاهلية وألغى البعض ووضع شروط للقسم الأخر كذلك اليوم هناك الكثير من مكتسبات العقل البشري في كل النواحي وما وصل اليه العقل البشري من تحقيق كثير من المكتسبات في كل المجالات خصوصا في مجال فصل السلطات والسلطة الرقابية الرادعة من تصرف الحكام بالإضافة الى سلطة الإعلام وغيرها كثيرا من انجازات العقل البشري تعتبر من مكتسبات العقل البشري المعاصر ولكن كذلك هذه الأمور تحتاج الى الإمضاء من قبل الشرع بشرط ان لا تخالف أي شرط من الشروط الشرعية كي تكتسب شرعيتها لذلك ان المدرسة التجديدية بزعامة السيد محمد باقر الصدر وما يمثلها اليوم من علماء أمثال السيد محمد حسين فضل الله والمطهري والمرحوم شمس الدين وغيرهم تعمل على التوافق بين مكتسبات الدين ومكتسبا ت العقل البشري وتجعل العلاقة بين الوحي والعقل من خلال ان العقل لا يهتدي الا بالوحي والوحي لا يستغني عن العقل نعم هناك من أصحاب الفهم السلفي الذي يفهم النص فهما حرفيا كثيرا ما يخل في دائرة الحريات والحقوق والواجبات فقد يوسع او يضيق لذلك لا مشروعية لهذا الفكر حسب التصور الإلهي لأنه ألغى دور العقل وكذلك أصحاب الفهم الناقص الذين يستخدموا أدوات ناقصة في فهم النص الشرعي من خلال الاعتماد على الظن فان اعتمادهم على جملة من الأدلة التي لا تثبت شرعيتها كما في الأخذ بمطلق القياس أي حتى بالكليات العقلية الناقصة بخلاف الفكر الشيعي الأمامي الذي لا يأخذ الا بالكليات العقلية الكاملة في هذا المجال وكذلك اعتمادهم على الاستحسان ومطلق حجية قول الصحابي مع التساهل الكبير في هذا المجال وقد توسع البعض في الأخذ من هذه الأمور وغيرها وقد يضيق كما عند الشافعي الذي لم يأخذ بالقياس والاستحسان ويعتبرها أدلة ظنية

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.