Untitled 1

 

2018/1/17 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :17/10/2007 12:17 AM

الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الثانية

 

رائد قاسم

الحلقة الثانية: الليبرالية التوافقية.. رؤى وتصورات

مسالة (1) ما هي الليبرالية التوافقية؟

الليبرالية التوافقية هي "منهج فكري ومنظومة ثقافية وقواعد دستورية وقانونية وسياسية واجتماعية، تهدف إلى جمع مكونات المجتمع في إطار متجانس، بناء على قواعد إنسانية عامة ومشتركة " فالليبرالية التوافقية ليست دين ضد دين ! أو مذهب ضد مذهب! أو تيار ضد تيار! أو دين ارضي ضد دين ارضي آخر، وإنما هي نظام جامع متفق عليه، يهدف إلى جمع مكونات النشاط البشري في خلية واحدة متماسكة، بناء على طبيعة النفس البشرية ومرتكزات آدميتها ومستلزمات استمرار وجودها ، سواء وفقا لما هو أصيل وثابت أو متغير ومتبدل .

مسالة (2) كيف نجمع تناقضات النشاط الإنساني؟

في بلادنا الإسلامية هناك العديد من التيارات المتناقضة والمذاهب المتنافسة ، فالاجتماع العربي المعاصر يضم بين شرائحه أتباع الطائفتين السنية والشيعية بمختلف مذاهبهما وفرقهما، إضافة إلى أتباع التيارات الفكرية والسياسية ذات المنشأ البشري كالعلمانية والوطنية والقومية  وكافة التوجهات والمسميات المتعددة، وكل فئة منها، لديها الحق إنسانيا وكونيا في التعبير عن مواقفها وآرائها وممارسة ثقافتها وشعائرها الدينية والسياسية.

وإذا لم يحدث هذا، فان المجتمع سيلج في آتون إرهاصات سياسية واقتصادية وفكرية عنيفة، كما هو واقع معظم المجتمعات العربية المعاصرة، فما بين تمييز قومي إلى تمييز عرقي إلى تمييز ديني إلى تمييز مذهبي إلى اضطهاد داخل الدائرة المذهبية الواحدة وفي نطاق نشاطها المجتمعي الموحد ، فالليبرالية التوافقية تهدف كمنج فكري إلى جمع هذه التناقضات والتيارات المتضاربة في إطار مؤسساتي دستوري قانوني يمنحها الحق في النشاط والحركة من خلال هامش واسع من الحرية وفقا لقواعد دستورية متفق عليها ، لعل من أهمها ما يلي :

1- حق الجميع في التعبير عن مكنونات الرأي والفكر والضمير والدين والثقافة المكتسبة .

2- الدولة مؤسسة حكم مهمتها حفظ حق الأفراد والجماعات والتيارات والفرق والمذاهب الدينية والفكرية في ممارسة حقها في التعبير عن دواتها. 

3- الدولة مؤسسة دستورية، لكافة مكونات الشعب، وللوصول لمراكز إدارتها لا بد من تفويض شعبي بناء على استحقاق انتخابي معترف به ومقر شعبيا.

4- الدولة ليست سوى مؤسسة شعبية وليست نظام حكم ملكا لفئة دو أخرى.

5- الديمقراطية نمط الحكم سواء في إطار الملكية الدستورية أو الجمهورية الشعبية.

6- التعددية الدينية والمذهبية والفكرية والثقافية والعرقية واقع أنساني وتركيبة بشرية وكونية لا مفر منها ، لذلك لا بد من وضع كافة المناهج والقواعد والمباني القانونية والحقوقية والنظم المعاملاتية  من اجل تنظيمها ، بحيث تتحول إلا واقع ايجابي بعيدا كل البعد عن استنزاف القوى الشعبية والطاقات الاجتماعية في صراعات لا نهاية لها ولا أزوف ولتوجيهها في عمليات البناء الحضاري والنهوض الإنساني والتطور التقني والتكنولوجي.

ولضمان تحقيق هذا الهدف لا بد من وضع دستور شامل ، قابل للتعديل مهمته تنظيم الخلافات والاختلافات والتباينات  والتعارضات، بحيث لا تؤثر على مسيرة النهضة والتنمية، ولا تؤدي إلى نشوء صراعات مذهبية أو عرقية أو فكرية تفكك عرى الشعب وتسب في انهيار الوئام الشعبي والسلم الأهلي

مسالة (3) هل للدين دور في التشريع الوطني؟

تنص معظم الدساتير في الدول العلمانية على عدم منح الدين أي سلطة تشريعية أو قانونية، وان لا يساهم بأي صورة في صياغة القانون، بيد إن الدستور في ظل الليبرالية التوافقية وفي إطار الدولة المدنية العصرية ، أي كان نظام حكمها ، تجعل للدين دور في التشريع الوطني من خلال ما يلي:

1- كافة الأحكام الجزائية والحدود الشرعية المتفق عليها ما بين الفرق الإسلامية  تعتبر قيود دستورية لا يمكن تجاوزها كحرمة الزنا وزواج المحارم والشدود الجنسي ونشر الإباحية الجنسية وغيرها مما هو معروف بالبداهة في الأوساط الشعبية أو متفق عليه إجماعا ما بين علماء المذاهب الإسلامية .

2- كافة مظاهر الدين الإسلامي محترمة ومصانة بموجب الدستور كالصلاة والصيام والحج وغيرها من فروع الدين وعباداته المعروفة

3- العمل بالأحكام  الخاصة بالمذاهب فيما هو من بديهياتها  وخصوصياتها كإحكام الوراثة والأوقاف والأحوال الشخصية، وذلك بعد تفويض شعبي في نطاقها الطائفي . 

4- للتيارات الدينية الحق في عرض مشاريعها المستنبطة من وحي الدين أو عبر مصادر الاستنباط من مصادر التشريع على نواب الشعب فان حاز الأصوات اللازمة فانه يتحول إلى تشريع بقانون، قابل بطبيعة الحال للتغيير والتعديل والإلغاء في المستقبل. 

5- فيما عدا القطعيات في نطاق الدين الإجمالي وفي إطار الخصوصية المذهبية ، تدور التشريعات مدار المصلحة التي يحددها ويقررها نواب الشعب ، والذين منهم رجال الدين دون استثناء .

مسالة (4) بعض الأمثلة التوضيحية

الحجاب مثلا، يعتقد جل المتدينين انه فريضة إلهية لا جدال فيها، ولهم في مظهره شكلا  بعض الاختلافات المحدودة ، وهناك شرائح أخرى تنتمي لتيارات فكرية لا تؤمن بالحجاب، وبعضها منتمي لأديان أخرى كالمسيحية واليهودية ، هنا يكون للتشريع الوطني دور حيوي إذ انه لا بد أن  يوازن ما بين التيارات المتضاربة  والأفكار المتنافرة، من خلال سن قانون يقضي بترك الحرية للجميع بارتداء الحجاب من عدمه، بحيث لا يكون مفروضا بموجب القانون، وفي نفس الوقت يحظر التبرج بنص القانون وقوة أجهزة تطبيقه، وسن بنود قانونية تحظر ممارسة التمييز والتهميش ضد المحجبات وغير المحجبات في المؤسسات الرسمية والخاصة، وبهذا تكون كافة التيارات قد نالت حريتها دون الإضرار بحريات غيرها، وتم إحداث التوازن المطلوب  في المجتمع وإبعاده عن التموجات والإرهاصات التي تستنزف قواه وإمكانياته ، من خلال الالتزام بالدستور وتشريعاته وقوانينه النافدة .

كما يحظر النظام الدستوري القائم على الليبرالية  والتعددية والحقوق والحرية والكرامة وكافة القيم المكونة للخلقة الآدمية الخلافات المذهبية والعقائدية المؤدية للانشقاقات والمبنية على الإرث التاريخي، ونوازع التعالي والإقصاء والتكفير، فلسلفيين السنة مثلا رأيهم الذي يحق لهم التعبير عنه بحرية في حرمة زيارة القبور مثلا !

وحرمة قصد قبر النبي (ص) وقبور أئمة أهل البيت والصحابة وسائر الأولياء  إلا انه ليس لهم الحق في وصم مخالفيهم بالكفر وإبعادهم عن ملة الدين الإسلامي ، ويحق مثلا لسائر أتباع الأديان السماوية والأرضية تداول مطبوعاتهم وممارسة شعائرهم دون أن يكون لهم الحق في النيل من المسلمين واهنة كتبهم ورموزهم الدينية ، ويحق للوسط الفني مثلا إقامة الفنون الغنائية ولكن مع احترام حريات الآخرين وأرائهم في حرمتها وذلك بان تكون الأنشطة الفنية الغنائية خالية من كافة مظاهر التبرج والإباحية بمختلف أنواعها ومراعاة أوقات المناسبات المعتمدة قانونا عند إقامتها.

مسالة (4) القيم المتعايشة..

تبرز أهمية أن تكون القيم المتضاربة قيم متعايشة حتى يمكن تحقيق واقع أنساني جديد قائما على التعددية والحرية والعدالة والكرامة، في إطار منظومة دستورية وقانونية واضحة وشفافة، فالقيم الإنسانية المتسمة بالتنوع لا تخلوا من تعارض شديد، خاصة ما بين أتباع الديانات السماوية والمذاهب المتفرعة عنها ، ويشكل تعايشها قضية محورية لا بد من تحقيقها ، حتى يمكن إيجاد حل حقيقي وواقعي لصراع الأديان والمذاهب بل ولصراع الحضارات برمته .

في هذا المضمون فانه مثلا يجيز الدين المسيحي لإتباعه شرب الخمر وتناول لحم الخنزير، بينما يعتبره المسلمون قاطبة من المحرمات المجمع عليها ما بين كافة الطوائف والمذاهب والفرق، هنا تكمن أهمية أن تكون هناك بنود دستورية واضحة ورصينة ومتسمة بالشفافية لكي تتعايش القيم مع بعضها ، ويمكن وضع هذه المسالة في ثلاث نكات يمكن اعتبارها تصورا عاما يتجاوز موضوع المثال:

الأولى: أن تشكل الأقلية المسيحية جزء من التركيبة الوطنية وبالتالي لا بد أن يكون القانون منصفا بحيث يمنحها حقوقها ، حتى لو كانت متعارضة مع الأغلبية الإسلامية الرافضة لمثل هذه الإباحة ، وذلك بوضع أنظمة تكفل تمتعها بحقها في ممارسة قيمها ومنها شرب الخمر واكل لحم الخنزير ولكن مع حفظ كرامة دين الأغلبية.

الثانية: أن تشكل الأقلية المسيحية جزء من جالية وافدة، وعلى هذا فان القانون العام يحظر تقديم المشروبات الكحولية وتناول لحم الخنزير، وعلى هذه الأقلية المقيمة الالتزام بالقانون، وهذا ما هو معمول به في كافة الدول سواء الديمقراطية أو الشمولية، ففي الولايات المتحدة حرمت بعض الولايات تقديم الكحول بناء على رغبة شعبية، ولعله ما يزال الحظر قائما في بعضها حتى الآن، والجدير بالذكر أن سبب ظهور مشروب الكوكاكولا كان بسبب حظر المشروبات الروحية في بعض الولايات الأمريكية، فتم اختراع كبديل عنها ولاقى رواجا كبيرا داخل الولايات المتحدة ثم العالم بأسره.

النكتة الثالثة: أن يكون سكان القطر أو المحلة في اغلبهم من الوافدين المنتمين لدين متناقض في تعاليمه مع دين الأقلية المواطنة، وبالتالي فانه يمكن منحهم الحق في ممارسة قيمهم في تناول  لحم الخنزير والكحول بناء على قواعد تشريعية تأخذ بعين الاعتبار كرامة الدين السائد ومشاعر أتباعه وفي نفس الوقت يتمكن أتباع الأديان الأخرى من ممارسة حقوقهم المشروعة في ممارسة قيمهم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، وهذا ما هو معمول به  في العديد من أقطار العالم العربي والإسلامي.

مسالة (5): هوية المجتمع في إطار الليبرالية التوافقية

المجتمع المسلم في ظل الليبرالية التوافقية هو مجتمع إسلامي ليبرالي ديمقراطي حر، يقوم على التعددية والدستورية والكرامة والحقوق.

 
كاتب سعودي
البريد الالكتروني:  

 

 

 

إشكالية قوانين مكافحة الإرهاب في العالم العربي
الدين بين الوجدان والبرهان
هل السلطة شي شرير؟
أنا مسلم ولكنني علماني !
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (2)
من دولة العسكر إلى جمهورية الفيسبوك (1)
الإباحية الدينية
كل الجهات الأربع قطيف
لا يكفي هذا يا خادم الحرمين !!
الشعائر الدينية بين سلطة الدولة وحق المجتمع (عاشوراء نموذجا)
رجال الدين.. تبا لكم!!
دين الله أم دين الفقهاء؟
الهزيمة الحضارية للفكر الديني
أحلى وقت وأجمل صيف في ربوع بلادي!!!
جمهورية السراب
آهات قاتلة
الانترنت الديني..... قمع الحرف واضطهاد الكلمة
وطني .. آه يا وطني!
آمنت بكم يا رجال الدين!
المتمردة (قصة قصيرة)
أبو ذر الغفاري وعريضة الخمس في القطيف
أيها القرضاوي ما قلت إلا حقا !! .. ولكن
اعتقال في محراب الصلاة
المعمم الشيعي.... ضحية وجلاد
قناة التطبير الفضائية!
الفن وفتاوى الفقهاء (السيد السيستاني نموذجا)
تحية إلى بزبوز ونذير وسلامة ووجيهة والى كل قلم حر في بلادي
الشيعي الجديد
شعوب ولاية الفقيه!
لا حرية في الحرية!
وجيهة الحويدر.. سيدة نساء هذا العصر!
عزيزتي المرأة... أرجو الإجابة!!
معجزة في العوامية !!
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية (2)
ذكرى الحسين بين الاستبداد الديني وقيم الحرية
رادود حسيني في مجمع السيف !
لا حرية في الحرية !
الثائر (قصة قصيرة)
فتاة القطيف والواقع المأساوي
فتاة القطيف.. عليك تحمل المسئولية !
نعم .. هذا هو الدين!
أسير الحرية
أيها الخطباء .. احترموا عقولنا!
الحمد لله: لقد دفعت الخمس !
الليبرالية.. الطوفان القادم ! الحلقة الأولى
القتيلة
زواج الأفاعي (قصة قصيرة)
الإمام علي .. ليبراليا عبر العصور
سلفيون ولكن !

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.