Untitled 1

 

2018/1/18 

 بحث

 

 

تاريخ النشر :28/10/2007 1:28 PM

فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق

 

سعد الدين إبراهيم

في الأسبوع الماضي صرّح رئيس الأركان الأمريكي السابق، الجنرال ريكاردو سانشيز: "إن استراتيجية البيت الأبيض في العراق، هي كابوس، ولا يمكنها أن تؤدي إلى النصر" 13/10/2007.

كان الجنرال سانشيز في الخدمة، حينما غزت بلاده العراق (19/3/2003). وقتها وخلال الأعوام الثلاثة التالية، لم نسمع منه إلا ما يؤكد عدالة الغزو لإنقاذ الشعب العراقي من طغيان ودموية صدام حسين. كذلك لم نسمع منه كلمة نقد واحدة لاستراتيجية بلاده في العراق، أو لسياسات الرئيس جورج بوش في الشرق الأوسط. وربما كان ذلك ما تفرضه التقاليد العسكرية.

فمادام أحد أفراد القوات المسلحة لايزال في الخدمة، ويرتدي زيها الرسمي، فإنه يلتزم أصول الضبط والربط، ويطيع أوامر قياداته، ولا يتحدث في السياسة. وفي الولايات المتحدة، كما في معظم بلدان العالم، فإن رئيس الجمهورية، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ومن ثم يلزم جميع أفرادها، بما في ذلك رئيس الأركان بأوامر وتوجيهات الرئيس، ولكن بمجرد التقاعد وخلع الزي العسكري الرسمي، يتحول الضابط السابق إلى مواطن مدني لاحق، له كل حقوق المواطنة، بما في ذلك حق الانغماس في الشأن العام ونقد سياسات حكومته. وهذا ما حدث في حالة الجنرال سانشيز.

وتذكرت على التو جنرالاً أمريكياً آخر هو وليام وستمورلند، قائد القوات الأمريكية أثناء حربها الممتدة في فيتنام (1968/1975)، والتي انتهت بهزيمة كاسحة، لم تتعود عليها الولايات المتحدة طوال المائتي سنة، التي كانت هي كل تاريخها، منذ الاستقلال (1776). وكانت مرارة الهزيمة هي الأشد على العسكريين الأمريكيين. فهم لم يخسروا أي معركة في تلك الحرب الطويلة، على امتداد اثنتي عشرة عاماً.

ومن حيث قوة النيران، وأعداد القتلى، كانوا هم دائماً الجانب الأرجح، ولكنهم في النهاية خسروا الحرب، وكان انسحابهم من آخر مواقعهم في سايجوت، عاصمة جنوب فيتنام انسحاباً مرتبكاً ومخزياً. ونقلت الكاميرات التليفزيونية الأمريكية والعالمية مشهد آخر طائرات الهليوكوبتر، وهي تقلع، وآخر الجنود المدنيين الفيتناميين وقد تعلقوا بعجلاتها في الهواء، حتى لا تأسرهم قوات الفيتكونج المعادية، التي كانت تحاصر سايجوت!

وقد ألقى الجنرال وستمور لاند وقتها باللوم على البيت الأبيض والسياسيين الأمريكيين في واشنطن. ويبدو أن الجنرال ريكاردو سانشيز لا يريد لبلاده أن تلقى هزيمة وانسحاباً مماثلاً من العراق، بعد 32 سنة من ذلك المشهد المخزي في سايجوت (1975).

لقد تزامنت الحرب في فيتنام مع سنوات دراستي للدكتوراه في الولايات المتحدة. وكنت في أثنائها رئيساً منتخباً للطلبة العرب، وحيث كانت مشاعرنا كمواطنين من العالم الثالث أكثر تعاطفاً مع الشعب الفيتنامي الذي كان مقاتلوه من الفيتكونج، بأجسامهم النحيلة وبيجاماتهم السوداء، يقاومون آلة الحرب الأمريكية الهائلة، بجنودها الأضخم حجماً، ومعهم دبّاباتهم وطائراتهم الأكثر فتكاً.

وكلما صمدت مقاومة الفيتكونج، رغم خسائرهم الفادحة من الأرواح التي كانت تحصدها آلة الحرب الأمريكية يومياً، اشتد الجنون في البيت الأبيض والبنتاجون، وكلما ضاعفوا من تدميرهم للموارد المحدودة لفيتنام، جنوبها وشمالها، مزارعها وغاباتها، طرقها وجسورها، وألقت القاذفات الأمريكية من القنابل على فيتنام، أكثر مما ألقته كل الجيوش في الحرب العالمية الثانية.

ومع ذلك ظل الفيتناميون يقاومون سنة بعد أخرى، وكان الشباب الأمريكي يشاهد أخبار الحرب يومياً، بالصوت والصورة، على شاشات التليفزيون، ولأنه كان الجيل الأول الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، فإنه نشأ يتساءل ويسأل قياداته السياسية: لماذا الحرب في فيتنام؟ وكانت تأتيه إجابات من قبيل: "نحن الأمريكيين هناك دفاعاً عن الحرية ونشر الديمقراطية، في وجه الزحف الشيوعي"، وبالطبع صدق معظم الأمريكيين ذلك في بداية سنوات الحرب، ولكن مع استمرار القتل والدمار، تناقص المؤيدون وتزايد المعارضون للحرب في فيتنام بين الشباب الأمريكي، وخاصة في الجامعات. فبدأوا ينظمون المظاهرات والاعتصامات، فيما أصبح يعرف بـ "حركة مناهضة الحرب" Anti war movement ، وشارك الطلبة العرب وغيرهم من طلبة العالم الثالث الذين كانوا يدرسون في الولايات المتحدة وقتها زملاءهم الأمريكيين.

وفي الواقع كان لقائي بإحدى الفتيات الأمريكيات، من مناهضات الحرب ضمن مسيرات تلك الحركة ، وهي، باربارا ليثم، التي ستصبح زوجتي ورفيقة حياتي، منذ أكتوبر 1971، وقد رزقت منها بابنتي المحامية راندا، وابني المهندس أمير.

ومثل كل الأبناء سمعت راندا وأمير قصة لقاء والديهما أثناء حركة مناهضة الحرب في فيتنام. ويبدو أن ذلك ترسب في أعماق وعيهما. وذلك حينما سنحت الفرصة، اختار ابني المهندس أمير فيتنام، دون اختيارات أخرى كانت متاحة أمامه، لكي يساعد فقراءها من الفلاحين، في توفير مصادر رخيصة للطاقة.

وأعد لنا الابن البار مفاجأة، بدعوتنا (أمه وأبيه) للاحتفال بعيد زواجنا السادس والثلاثين في فيتنام، ولسان حاله يقول أنه لولا تضامنكما مع نضال الشعب الفيتنامي لربما لم تلتقيا، ولم تتزوجا، ولم تنجباني أنا وشقيقتي راندا، وقد سعدنا، أنا وأمه بركة (باربارا) بلفتته الرقيقة، ولبينا الدعوة على الفور.

وها أنا بعد عدة أيام من التجوال والمشاهدات الميدانية، والحديث مع كل من استطعت الحديث معهم من الفيتناميين، أكتب هذا المقال من العاصمة الأسطورية هانوي، ومن موقع يطل على "النهر الأحمر"، الذي يشق المدينة، التي أعادت بناء ما دمرته الحروب المتعاقبة طوال القرن العشرين.

إلى جانب حب استطلاعي عن الشعب والمجتمع والحزب والدولة في فيتنام، كنت حريصاً على معرفة كيف أعادوا بناء بلادهم واقتصادهم، وكيف جذبوا آلاف الشركات الأجنبية للاستثمار عندهم؟، وكيف وازنوا بين هذا التدفق الرأسمالي من ناحية واقتصادهم الاشتراكي ـ الماركسي من ناحية أخرى؟ وكيف غفروا أو سامحوا تلك القوى الأجنبية، التي استعمرتهم، ونهبتهم، ودمرت بلادهم وقتلت منهم ما يقرب من المليون خلال الثلاثين عاماً، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية (1945-1975)، فضلاً عن القرنين السابقين (1750-1945)؟.

كانت هناك إجابة عامة واحدة من الفيتناميين أنفسهم، وصدّق عليها الأجانب الذين التقيتهم، وخاصة من الأمريكيين والفرنسيين، وهي "أن الفيتناميين، كشعب وكثقافة، لا يتوقفون كثيراً عند الماضي، ولا يجترون الآلام، أو يمعنون في جلد الذات، أو الاستمتاع بدور "الضحية".

إنهم عمليون للغاية (الكلمة الإنجليزية Pragmatic)، ينظرون إلى الحاضر ويتطلعون دائماً إلى المستقبل. وقد أكد ذلك لي المحامي الأمريكي جون بنتلي John Bentley، الذي عاش في مصر خمسة عشر عاماً، ساعد فيها السلطات المصرية على صياغة قوانين الانفتاح، والتحول إلى اقتصاديات السوق. وقد استدعته السلطات الفيتنامية عام 1995، لكي يساعدهم لتحقيق نفس الشيء.

وحينما سألته عن المقارنة بين خبرته في مصر وخبرته في فيتنام، قال "إنهم هنا أشد فقراً، حيث متوسط الدخل الفردي لا يتجاوز ستمائة دولار، أي ثلث مثيله في مصر، ولكنهم أكثر جدية، ولا يضيعون وقتهم وطاقتهم في معارك الماضي، أو الانشغال بمؤامرات وهمية، يقوم بها الآخرون ضدهم".

لقد استغرب المحامي الأمريكي أنهم دعوه إلى بلادهم في المقام الأول، واستغرب أكثر أنه خلال السنوات الاثني عشر التي قضاها في فيتنام، لم يثر أحد الحديث عن الماضي إلا مرتين، وحتى ذلك كان بمناسبة فيلم سينمائي عن حرب فيتنام.

ويضيف جون بنتلي، أنه ربما لهذا السبب تحقق فيتنام معدلاً من النمو الاقتصادي السنوي، مثل جارتها الشمالية وهي الصين ـ وهو 9 %! فهي نمر اقتصادي صاعد.

 
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
البريد الالكتروني: saadeddinibrahim@gmail.com

 

 

 

ثورة اللوتس مُستمرة
مصريون في المهجر توّاقون لإصلاح الوطن الأم
مسلمون مُبدعون في الهند وتُعساء في باكستان
حوار السبعين مع محمد أبو الغار وفريدة النقاش
إن كان أوباما عسلاً فلا تلعقوه كُلّه
أوباما.. أوباما.. وما أدراك بأوباما؟
غزة: القمم والفضائيات العربية والسفوح
اختبار أوباما في غزة
لماذا جاكرتا وإسطنبول قبل القاهرة؟
أي عاصمة إسلامية يبدأ بها أوباما؟
مع رئيسين في عيد ميلادي السبعين
من مومباي إلى المطرية: ورقة الدين المحرِقة
ستون عاماً على الإعلان العالمي من ميت أبو حريز إلى الرياض ودمشق وكوبنهاجن
من انتخاب زنجي نصف مسلم إلى حلم قبطي
ماذا لو كان أوباما مسلماً؟
أكبر تجمع علمي أمريكي يدافع عن الإخوان
الدويقة ورأسمالية مصرية رثة.. وبلا مآثر
رمضان والمصريون في المهجر
الإساءة إلى سمعة مصر
ِمحَن الآباء.. وحنان البنات
من سفر المنفى .. من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟
من وحي استقالة برويز مشرّف: هل يمكن تقنين دور العسكر في السلطة؟ (2)
من وحي ما يحدث في موريتانيا.. هل يمكن تقنين دور العسكر؟
الاستخدام السياسي للقضاء
من البشير إلى كراديتش إلى جورج بوش
مَنْ الذين يلوّثون صورة العرب والمسلمين؟
في رحاب أكبر الديمقراطيات الإسلامية
عبدالوهاب المسيري وجيل الحالمين
"ابن خلدون" بين التكريم والتجريم
لماذا يحب العرب والعالم لبنان؟
نحو مصالحة تاريخية بين العرب والأتراك
الثورة الاجتماعية الجديدة في الولايات المتحدة
لبنان.. النقمة والنعمة
حفيد عولمي يسهم في مواجهة مشكلة أوروبية
حتى إذا كان الإسلام حلاً.. فإن المسلمين العرب هم المشكلة
شبابنا... وشبابهم يقودون معارك التغيير
البابا والانحرافات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية
في رحاب الفاتيكان: الصليب والهلال وصندوق الانتخابات
في ضيافة سيدة أوكرانيا الأولى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية
حديث العطاء من الميسورين المسلمين
خواطر عراقية في الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي
إدارة معركة الحجاب في تركيا العلمانية
الوداع للعلمانية المتطرفة في تركيا
هل هؤلاء العرب.. وزراء "إعلام" أم وزراء "إعتام"؟
الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية
الإسلام في الانتخابات الأمريكية
هل من حق العالم أن يشارك في الانتخابات الأمريكية؟
باراك حسين أوباما... وهيلاري كلينتون والثورة الأمريكية الجديدة
باكستان... المأساة!؟
عتاب الأشقاء في العراق
٢٠٠٧: عام الانتفاضات والعصيان المدني في مصر
العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا
الديمقراطية... رغم الفقر والأمية في مالي
ليت "أنابوليس" توقف مسلسل الفرص الضائعة
رائعة علي سالم: من فكرة الأندلس إلى فكرة قطر
باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!
من فيتنام.. للجزائر.. للعراق
المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
الملك فاروق والحنين إلي زمن أجمل في عصر الانحطاط
من منكم يعرف اسم رئيس سويسرا؟
الإسلام في أمريكا بين إنجريد والإمام طالب عبد الرشيد
الدولة "المخزنية" والديمقراطية في المغرب
كيف تقدم "العدالة والتنمية" المغربي إلى المركز الثاني؟
الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
حديث الأحفاد عن الحرية على شواطئ البسفور
مع عُرس الديمقراطية في تركيا
وفي كردستان شفاء للعراق
في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين

 

الأسم:

 

عنوان التعليق:

 

نص التعليق:

 

 

 

 

Untitled 1  من أنا | لمراسلة الموقع | تسجيل | مساعدة | اتفاقية استخدام الموقع Untitled 1
Copyright ©  2006-2012 aafaq.org . All rights reserved
Powered by hilal net Co.