وظيفة عبد النبي سليم في الحياة الوقوف في طابور الخبز.. يقف المدير الإداري المتقاعد البالغ من العمر 65 عاما تحت شمس الظهيرة الحارقة في طابور يمتد طويلا في أحد شوارع القاهرة لشراء 20 رغيفا من الخبز مقابل جنيه مصري واحد (0.18 دولار).
وبعد أن يحصل سليم على الارغفة العشرين يعود مرة ثانية ليقف في نهاية الطابور وينتظر من جديد ليحصل على عشرة ارغفة إضافية لازمة لسد رمق اسرته الكبيرة.
ويقول سليم بعد مرور نحو نصف ساعة على وقوفه في الطابور الذي قد يمتد لعدة ساعات "انه نظام فاسد. اتي إلى هنا كل يوم. ليس لدي عمل فتلك وظيفتي. انتظر الخبز."
وتقول مصادر أمنية ان ما لا يقل عن 11 توفوا في طوابير الخبز منذ اوائل فبراير/شباط بما في ذلك ضحية اصيب بأزمة قلبية وامرأة صدمتها سيارة أثناء وقوفها في طابور امتد إلى الشارع.
وقتل شخص بالرصاص واصيب ثلاثة في مشاجرة في طابور خبز باحد احياء القاهرة. وتطور جدل بين طفلين على مكان كل منهما في الطابور إلى مشاجرة اصيب فيها أربعة.
ودفعت الطوابير الطويلة وسائل الإعلام للحديث عن "أزمة" الخبز في أكبر دولة عربية من حيث تعداد السكان حيث ادى خفض الدعم للخبز في عام 1977 إلى أعمال شغب قتل فيها العشرات واجبرت الحكومة على العدول عن قرارها.
ويقول مراقبون ان المشاكل المستمرة التي يعاني منها نظام الدعم قد تؤدي لتكرار أزمة 1977 ما لم يتم احتواء المشاكل سريعا.
وقال جودة عبد الخالق استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة "ربما تكون اوسع نطاقا وأكثر عنفا لأن الناس تشعر بتأزم أكبر لاوضاعها."
وعلى مدار عقود يباع خبز رخيص للفقراء في مصر كجزء ضروري من السياسة الاقتصادية رغم تكلفته الباهظة نظرا لأنه يتيح للملايين العيش باجور ضعيفة وتجنب حالة عدم رضا سياسي.
ولكن طوابير الخبز طالت في الأشهر القليلة الماضية مع ارتفاع تكلفة المواد الغذائية الضرورية غير المدعومة مما اضطر كثيرين للجوء للدعم الذي يعتمد بشدة على القمح المستورد باهظ التكلفة والذي يتعرض لضغوط أيضا جراء بيع الطحين ( الدقيق) في السوق السوداء.
وما يحدث في مصر يبرز بعض مخاطر الدعم وبدائله فيما تدرس الكثير من الدول في أنحاء العالم اجراءات مماثلة لتخفيف عبء الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء على الفقراء.
وخصصت مصر أكثر من 2.5 مليار دولار لدعم الخبز في السنة المالية الحالية ولكنها ذكرت ان المبلغ قد يرتفع بسبب زيادة تكلفة القمح. غير ان ضغط الخبز مازال مستمرا.
وتعهد كبار المسؤولين في مصر بالتدخل السريع لتسهيل الحصول على الخبز المدعوم الذي يتغذى عليه يوميا 50 مليون مصري أو اكثر من ثلثي تعداد السكان حسب احصاءات الامم المتحدة.
ويرجع تنامي طوابير الخبز في مصر لارتفاع نسبة التضخم إلى 12.1 في المئة في 12 شهرا حتى فبراير/شباط. وارتفعت أسعار المواد الغذائية 20 في المئة والخضروات 15 في المئة وزيت الطعام 40 في المئة حسب جهاز الاحصاء المصري.
ولمساعدة المواطنين على مواجهة ارتفاع الأسعار ألغت مصر الرسوم الجمركية على واردات الارز ومنتجات الألبان وزيت الطعام وأنواع من الأسمنت والصلب.
وصرح وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد لصحيفة فاينانشال تايمز اللندنية بأن مصر ينبغي ان تتحرك للتصدي للتضخم لما يسببه من مخاطر لبرنامج التحرر الاقتصادي.
وقال رشيد للصحيفة "يقول الناس ليس لدينا طعام كاف.. سيبدد هذا الوضع (انجازات) برنامح الاصلاح في مصر بالكامل. لا يسعنا ذلك."
وشمل برنامج التحرر الاقتصادي في مصر خفض رسوم جمركية وبيع شركات مملوكة للدولة ليقبل مستثمرون على مصر ويرتفع معدل النمو الاقتصادي إلى 7.1 في المئة العام الماضي. ولكن لا يزال معظم المصريين يعيشون في فقر.
واجبرت الطوابير الطويلة المخابز على تحديد عدد الأرغفة التي تباع لكل فرد عند 20 رغيفا في كل مرة وهو ليس بالعدد الكبير لمن يشترون لاسرهم الممتدة الكبيرة. وفي المتوسط يستهلك المواطن 3.2 رغيف في اليوم.
إلا ان البعض استغل أزمة الخبز الحالية وباع الطحين المدعوم في السوق السوداء وهو وضع تجاهله مفتشو الحكومة طويلا.
وفي اجزاء من القاهرة ظهرت أكشاك بيضاء لا تتبع المخابز لبيع الخبز المدعوم. ولكن الطوابير لا زالت في اماكن عديدة.